القرطبي

275

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فوك إلى ما كان عليه قبل ، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك ) . وأمره بصيام عشرة أيام . وكان كلام الله تعالى لموسى ( صلى الله عليه وسلم ( 1 ) ) غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح ، وأكمل لمحمد صلى الله عليه وسلم الحج . وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث . والفائدة في قوله : " فتم ميقات ربه أربعين ليلة " وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون ، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها ، فبين أن العشر سوى الثلاثين . فإن قيل : فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين ، فيكون ذلك من البداء . قيل : ليس كذلك ، فقد قال : " وأتممناها بعشر " والأربعون ، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف . وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف ، قال أربعين في قول مؤلف ، وقال ثلاثين ، يعني شهرا متتابعا وعشرا . وكل ذلك أربعون ، كما قال الشاعر : " عشر وأربع . . . " يعني أربع عشرة ، ليلة البدر . وهذا جائز في كلام العرب . الثانية - قال علماؤنا : دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية ، ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا ، وحكم به للأمم ، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال . وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات ، " ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ( 2 ) " . وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله : " إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ( 3 ) " . قال ابن العربي : فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة . وقد بين الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين . وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه ، فما عقلوا جواز التأني والتأخر حتى قالوا : إن موسى ضل أو نسي ، ونكثوا عهده وبدلوا بعده ، وعبدوا إلها غير الله . قال ابن عباس : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه ، وأخلف فيكم

--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) راجع ج 17 ص 23 . ( 3 ) راجع ص 218 من هذا الجزء .